ابن كثير

529

طبقات الشافعية

في واقعة عيّنها ، فانفرد في ناحيّة من الدّار ، وأخذ الدّواة والورقة ومكث زمانا فلم يفتح عليه بشيء فقام خجلا ؛ وقد كان ممّن أنكر عليه دعواه علي بن أفلح الشّاعر ، فعمل في ذلك : شيخ لنا من ربيعة الفرس * ينتف عثنونه من الهوس أنطقه اللّه بالمشان كما * رماه وسط الديوان بالخرس وكان الحريري يذكر أنّه من ربيعة الفرس ، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة ، وكان يسكن في بستان بالبصرة ، فلمّا رجع إلى بلده أكملها خمسين مقامة ، ويسر العشرة ، واعتذر عن عيّه بالهيبة ، وقيل : بل كره المقام ببغداد فتجاهل . قال : ويحكى أنّه كان دميما قبيح المنظر ، فأتاه رجل يزوره ويأخذ عنه ، فلمّا رآه استزرى شكله ( ففهم الحريري ذلك فقال : ما أنت أوّل سار غرّه قمر * وزاهد أعجبته خضرة الدّمن فاختر لنفسك غيري إنّي رجل * مثل المعيدي اسمع بي ولا ترني قالوا : وكان مع ذلك له مال جزيل وأملاك وثروة ، فقال : كان له ثمانية عشر ألف نخلة . وقيل : كان قد رآني أكله وشكله ) « 46 » ولبسه ، قصيرا دميما نحيلا ، مولعا بنتف لحيته ، فنهاه الأمير عن ذلك وتوعّده عليه ، وكان كثير المجالسة له ، فبقي مقيّدا محصورا ، فتكلّم في بعض الأيّام بكلام أعجب الأمير ، فقال له : ثمنه ؟ ، فقال : تقطعني لحيتي ، فضحك وقال : قد فعلت . مات الحريري بالبصرة في سادس رجب سنة ستّ عشرة وخمسمائة عن سبعين سنة . وخلّف ولدين نجم الدّين أبا القاسم عبد اللّه وكان أديبا كاتبا ، وقاضي البصرة ضياء الإسلام عبيد اللّه . وقال الشّيخ أبو عمرو ابن الصّلاح : أخبرنا أبو هاشم ، أخبرنا أبو سعد

--> ( 46 ) ما بين القوسين ساقط من - ب - وج ود .